الجصاص

258

أحكام القرآن

في الكلام تارة وخروجها أخرى ، وحكمها موقوف على الدلالة في دخولها أو خروجها . وسنذكر أحكام الجنابة ومعناها وحكم المريض والمسافر في سورة المائدة إذا انتهينا إليها إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ( آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ) يدل على قول أصحابنا في قول الرجل لامرأته أنت طالق قبل قدوم فلان ، أنها تطلق في الحال قدم فلان أو لم يقدم . وحكي عن بعضهم أنها لا تطلق حتى يقدم ، لأنه لا يقال إنه قبل قدوم فلان وما قدم . والصحيح ما قال أصحابنا ، وهذه الآية تدل عليه ، لأنه قال الله تعالى : ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ) فكان الأمر بالإيمان صحيحا قبل طمس الوجوه ولم يوجد الطمس أصلا ، وكان ذلك إيمانا قبل طمس الوجوه وما وجد ، وهو نظير قوله تعالى : ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) [ المجادلة : 3 ] فكان الأمر بالعتق للرقبة أمرا صحيحا وإن لم يوجد المسيس . فإن قيل : إن هذا وعيد من الله لليهود ولم يسلموا ولم يقع ما توعدوا به . قيل له : إن قوما من هؤلاء اليهود أسلموا ، منهم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وزيد بن سعنة وأسد بن سعية وأسد بن عبيد ومخيريق في آخرين منهم ، وإنما كان الوعيد العاجل معلقا بترك جميعهم الاسلام ، ويحتمل أن يريد به الوعيد في الآخرة إذ لم يذكر في الآية تعجيل العقوبة في الدنيا إن لم يسلموا . قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) . قال الحسن وقتادة والضحاك : " هو قول اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " . وروي عن عبد الله أنه قال : " هو تزكية الناس بعضهم بعضا لينال بها شيئا من الدنيا " . مطلب : في بيان التزكية المنهي عنها قال أبو بكر : وهذا يدل على أن النهي عن التزكية من هذا الوجه ، وقال الله : ( فلا تزكوا أنفسكم ) [ النجم : 32 ] ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " . قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وعكرمة : " أن المراد بالناس ههنا هو النبي صلى الله عليه وسلم خاصة " . وقال قتادة : " العرب " . وقال آخرون : " النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه " ، وهذا أولى لأن أول الخطاب في ذكر اليهود ، وقد كانوا قبل ذلك يقرؤون في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم